علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
95
ثمرات الأوراق
بخمسين ألف درهم فما كان السّبب ؟ فأخبرته ، ولم أكذبه [ شيئا ] ، فقال : ألحّنت أمير المؤمنين ؟ قلت : كلّا إنّما لحن هشيم ، وكان لحّانة ، فتبع أمير المؤمنين لفظه ، وقد تتبّع ألفاظ الفقهاء ، ورواة الآثار ، ثم أمر لي الفضل بثلاثين ألف درهم ، فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف واحد « 1 » . ويحكى أن النّضر بن شميل مرض ، فدخل عليه قوم يعودونه ، فقال له رجل منهم يكنى أبا صالح : مسخ اللّه ما بك فقال : لا تقل مسخ ( بالسين ) ، ولكن قل : « مصخ » اللّه بالصاد ، أي أذهبه وفرّقه ، أو ما سمعت قول الأعشى : وإذا ما الخمر فيها أزبدت * أفل الإزباد فيها ومصخ « 2 » فقال له الرجل : إنّ السين قد تبدل من الصاد ، كما يقال الصّراط ، والسّراط ، وصقر وسقر ، فقال له النّضر : فأنت إذا أبو سالح « 3 » ! قلت : ويشبه هذه النادرة ما حكي أنّ بعض الأدباء جوّز بحضرة الوزير أبي الحسن بن الفرات أن تقام السّين مقام الصّاد في كل موضع ، فقال الوزير : أتقول : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ [ الرعد : 23 ] ، أم « سلح » فخجل الرجل وانقطع . والذي ذكره أرباب اللغة في جواز إبدال الصّاد من السّين ، أنّه في كلّ كلمة كان فيها سين ، وجاء بعدها أحد الحروف الأربعة ، وهي : الطاء والخاء ، والغين والقاف ، فتقول : الصراط والسّراط ، وفي سخّر لكم ، صخّر لكم ، وفي مسغبة مصغبة وفي : سيقل صيقل ، وقس على هذا . * * * خير المدائح ونقل قاضي القضاة شمس الدين بن خلّكان في تاريخه أنّ أبا جعفر أحمد بن يحيى البلاذريّ المؤرخ قال : كنت من جلساء المستعين فقصده الشعراء ، فقال : لست أقبل إلّا من يقول مثل قول البحتريّ في المتوكّل : فلو أنّ مشتاقا تكلّف فوق ما * في وسعه لسعى إليك المنبر « 4 » قال البلاذريّ : فرجعت إلى داري وأتيته وقلت : قد قلت فيك أحسن ممّا قاله البحتريّ ، قال : هاته ، فأنشدته : ولو أنّ برد المصطفى إذ لبسته * يظنّ لظنّ البرد أنّك صاحبه
--> ( 1 ) الخبر في درة الغواص 8 ، وابن خلكان 2 / 161 ، 162 ، وإنباه الرواة 3 / 350 . ( 2 ) ديوانه : 35 . ( 3 ) إنباه الرواة 3 / 251 . ( 4 ) ديوانه : 1 / 212 .